أحلم أن أستيقظ يومأ فإذا الشمس تبدد كل ظلام الكون وإذا الحب يهيمن ويدمر أصنام الحقد أحلم أن تبزغ فى لمحة عين كل بذور الأمل المدفون تحت جدار الخوف

الأربعاء، مارس 28، 2007

الرد على تعقيب الدكتور نهرو طنطاوى

أخى الفاضل الكاتب الكبير والباحث الإسلامى الدكتور نهرو طنطاوى
تحياتى لكم
قرأت تعقيبكم على ردنا عليكم وكان لنا عدة ملحوظات نوجزها فيما يلى
أولأ لقد قررتم أننى أعطيت لكلمة ( ملة ) عدة تعريفات وهذا ما لم يحدث ولم أتطرق له نهائيأ بل إننى قمت بإحضار مصادر الكلمات التى بها الحروف ( م ل ة ) من خلال القرآن الكريم ودون الإعتماد على أى قاموس أو مصدر خارجى وأوجزتها لكم كما يلى :
) كلمة ملة معناها دين وعقيدة ولا يمكن بحال أن يكون معناها ( الزمن الطويل الممتد ) كما كتب الدكتور نهرو طنطاوى .
(2) وكلمة يمل بضم الياء وكسر الميم معناها الإملاء أى شخص ينطق شفويأ والآخر يكتب ويسجل ما ينطق به الأول .
(3) وكلمة أملى بفتح الألف وسكون الميم وفتح اللام معناها صبر وانتظر وقد بينا كل تلك المعانى أعلاه
أى أننى لم اضع عدة تعريفات مختلفة لكلمة ( ملة ) كما ذكر الدكتور نهرو فى تعقيبه بالرغم من أن الأخ نهرو استطرد كثيرأ فى ذلك الأمر بما لاداعى له ولا طائل من ورائه , وإننى أطلب منه أن يذكر العبارة التى استوحى منها أننى وضعت (( عدة تعريفات )) لكلمة ملة كما ذكر .
ثانيأ الأخ الفاضل نهرو طنطاوى يدعو الجميع للتدليل على صدق أقواله من خلال آيات القرآن العظيم ودون الرجوع لأى مصدر آخر وهذا ما أتفق معه عليه لأن القرآن العظيم يفسر بعضه بعضأ دون الحاجة لمصدر خارجى حتى لو كانت قواميس اللغة العربية ولقد أكد سيادته على هذه الجزئية فى أكثر من مكان فى التعقيب مثل :
(وهنا أسأل الأستاذ شريف هادي: ما برهانك من كتاب الله على أنه لا يكون الرسول رسولا إلا إذا أصبح نبيا؟؟.)
ولكن فى نفس الوقت نجد الدكتور نهرو قد خرج بعيدأ عن مبدأ تفسير القرآن بالقرآن ليأتى لنا بمعان غريبة من قواميس اللغة وغيرها كقوله :
((وقبل أن أجيب الدكتور حسن أحمد عمر على سؤاليه أقول: يا أخي الفاضل أي كلمة في أي لغة في العالم بما فيها لغة قوم الرسول، لها أصل واحد أو أكثر من أصل، وذلك حسب اصطلاح قوم الرسول في أصل استخدام اللفظ نفسه، بمعنى أن أي كلمة في اللسان العربي لها أصل واحد وحيد أو أكثر، فالواجب لفهم أي كلام في اللسان العربي سواء كان كلام الله أو غيره، الرجوع لأصل الكلمة الدلالي الذي اصطلح عليه العرب في الدلالة أو الإشارة إلى الأشياء، وبدون ذلك لن نتبين أي معنى حقيقي لأي كلمة من كلام الله، أو أي كلام ورد في لسان قوم الرسول، الذين نزل كتاب الله بلسانهم، قال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم).
وبعد معرفة الأصل الدلالي للكلمة الذي اصطلح عليه قوم الرسول، بعدها يمكننا أن نتبين معاني دلالات المشتقات الأخرى للكلمة، فيما لو وجدنا لها مشتقات أخرى بصيغ صوتية أو رمزية خطية أخرى، فالأصل الدلالي الأول لأي كلمة لا يتغير بتغير الاشتقاقات الأخرى الصوتية أو الرمزية الخطية لأي كلمة، ))
وهذا ما لا أتفق معه فيه حيث أننى من المؤمنين بنظرية أن القرآن يفسر نفسه بنفسه , أى أننى عندما يصعب على ّ معنى كلمة قرآنية فإننى أبحث عنها فى القرآن العظيم حتى أجد معناها يقول تعالى :
(( ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً )
ثالثأ ثم يستطرد الأخ نهرو ويبالغ فى الإعتماد على القواميس مخالفأ بذلك القاعدة الأكيدة والتى نادى بها كثيرأ بأن تفسير القرآن يأتى من القرآن وهاهو مرة أخرى يقول :
((لقد جاء في معجم مقاييس اللغة لابن فارس ما يلي:
(إن كلمة (مل) بفتح الميم وتشديد اللام، الميم واللام أصلان صحيحان، يدل أحدهما على تقليب شيء، مثال مللت الخبزة في النار، أي قمت بتقليبها، ومنها يتململ على فراشه يتقلب عليه.
والآخر يدل على غرض من الشيء. مثال: مَلِلْتُه، أي سئمته، من الملل أي السآمة.
أما كلمة (ملي) الميم واللام والياء أصل واحد يدل على الزمن الطويل الممتد، مثال: أقام مليا، أي دهرا طويلا.
أما كلمة (ملي) إذا زيد في آخرها همزة، دلت على المساواة والكمال في الشيء، مثال: ملأت الشيء، أي ساويت قدره مثله. ومنه الملأ، أي الأشراف من الناس الذين ملئوا شرفا وعزا وحسبا.
أما كلمة (ملو) الميم واللام والحرف المعتل أصل صحيح يدل على امتداد في شيء زمان أو غيره، مثال: أمليت القيد للبعير، إذا وسعته.
ومن الباب إملاء الكتاب، وهو إمداد الكاتب بما سيخطه من مواضيع.
أما الملة فهي من أصل الميم واللام والحرف المعتل سواء الياء أو الواو، أي الشيء الممتد دهرا طويلا).
هذه المعاني جميعا ذكرها بن فارس في (معجم مقاييس اللغة) باب (الميم وما بعدها في المضاعف والمطابق) ص962، و(باب الميم واللام وما يثلثهما) ص993.
إذن، مما سبق نجد أن كلمة (مل) لها معنى مغاير لكلمة (ملي) وكلمة (ملأ) وكلمة (ملو) وكلمة (إملاء)، فإن كل منها لها أصل أو أكثر تدل عليه مغاير تماما لبقية الكلمات، إلا أن المعنى المشترك العام لجميع الكلمات هو المدة الزمنية الطويلة أو الشيء الممتد في طول.))
وهكذا يستقى الدكتور نهرو معلوماته من كتب خارجية ليطبقها على ما ورد فى كتاب الله العظيم من كلمات وآيات وألفاظ , وهذا ما لا نوافقه عليه لأننا كما أكدنا ونؤكد نفسر القرآن العظيم ونفهمه من خلا ل القرآن نفسه , وهذا المنهج هو المسلك الوحيد الآمن الذى يستطيع به المسلم حسم المعانى القرآنية دون الإعتماد على مصادر خارجية .
وللأسق فقد ظن الدكتور نهرو أنه وضع يده على الحقيقة حين اعتمد على تلك الكتب التى ألفها بشر وحاول تطبيقها على القرآن الكريم الذى يعلو على الزمان والمكان . كما نذكر أن تلك القواميس والكتب والتفسيرات قد ألفت بعد نزول القرآن الكريم وليس قبله . يقول الدكتور نهرو ( معتمدأ على تلك القواميس الخارجية ) ومعتقدأ أنه وضع يده على الحقيقة :
((فكيف خلط الدكتور حسن أحمد عمر بين الأشياء الثلاثة في الآية؟؟؟.
وكيف قال الدكتور أن الملة هي بمعنى كتب، أو بمعنى الكتاب المكتوب، أو بمعنى الكتابة، أو بمعنى الشخص الذي ينطق بالدين؟؟!!.
فهذا شيء عجيب وغريب من الدكتور عمر لم أقرأ مثله في حياتي!!!.))
مع أن ما اقرؤه للأخ الفاضل الدكتور نهرو هو الذى يتصف بالعجب والغرابة حيث أنه قفز لنا بمعنى غريب عن الملة التى نعلم جميعأ أنها تشمل الدبن والشريعة فإذا به بكل سهولة يقول أنها لا تحتوى على التشريعات ثم يلصق بالديانات السابقة أحكامأ ما أنزل الله بها من سلطان كقوله عن الديانة اليهودية أن عقاب الزانى فيها كان الرجم فهل هذه حقيقة ؟
سأعتبر أننى جاهل وأن هذه حقيقة , فأين الآية القرآنية التى استشف منها الأخ نهرو هذا المعنى ؟ هل أخبرنا ربنا أن اليهود يجب أن يرجموا الزناة منهم ؟ لا أعتقد فلماذا نهاجم من يقول بالرجم فى الإسلام ونعتبره متقولأ على الله ورسوله بسبب أنه لا توجد آية قرآنية تقول بالرجم .. فلماذا تريد يا أخى التحقير من شأن الديانة اليهودية ولماذا تلصق بها عقوبة الرجم علمأ بأنه لا توجد آية قرآنية تقول لك ذلك , فأنت تعتمد على الروايات والكتب الأخرى لكى تؤيد بها زعمك , يقول الدكتور نهرو فى هذا الشأن :
((* فهل تقصد من كلامك أن شرائع وأحكام كل الأنبياء والرسل موجودة في القرآن؟؟.
* فمثلا هل رجم الزاني الذي كان في شريعة موسى عليه السلام أيضا في القرآن؟؟
* وهل حرمة الطلاق الموجودة في شريعة المسيح إلا لعلة الزنا موجودة أيضا في القرآن؟ وغيرها وغيرها من الشرائع التي تختلف عن شريعتنا التي جاء بها محمد عليه الصلاة والسلام.))
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل ذهب أخونا الفاضل الدكتور نهرو مذهبأ خطيرأ حين حاول أن يفسر الآية القرآنية التى تتحدث عن سرقة صواع ملك مصر والتى جاء فيها ( فأذن مؤذن ايتها العير إنكم لسارقون * قالوا واقبلوا عليهم ماذا تفقدون * قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم * قالو تا الله لقد علمتم ما جئنا لنفسد فى الأرض وما كنا سارقين * قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين * قالوا جزاؤه من وجد فى رحله فهو جزاؤه كذلك نجزى الظالمين ) يقول الأخ نهرو مفسرا للجزء الأخير من هذه الآية الكريمة ((أيضا عقوبة السارق في شريعة إبراهيم عليه السلام، غير عقوبة السارق في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، ففي شريعة إبراهيم من سرق يؤخذ بسرقته، أي يأخذه صاحب الشيء المسروق عبدا رقيقا جزاء سرقته، وقد نص القرآن على ذلك في ))
والدكتور د نهرو هنا يريد أن يقول لنا بصريح العبارة أنه فى ملة إبراهيم ( التى أمر الله نبيه محمدا بإتباعها ) كان إذا سرق إنسان شيئأ يؤخذ مقابل هذا الشىء !!!!!!!!!!!!
أليس ذلك بعجيب يا سادة أن يلصق هذا التشريع الرهيب المفزع على الدين السمح الذى أنزله الله تعالى على خليله إبراهيم وأمر حبيبه محمدأ باتباعه ؟؟
يا دكتور نهرو هذه الشريعة هى شريعة المجرمين الذين كانوا يحتلون مصر ويسيطرون عليها وهم الهكسوس وإن قولهم ( جزاؤه من وجد فى رحله فهو جزاؤه ) هو تكملة لقولهم ( فما جزاؤهم إن كنتم كاذبين ) أى أن السائل قرر عقوبة السارق فى نفس اللحظة ,وحيث لا يعقل ان يطلب من أهل اللص تقرير عقوبته ثم يقررون بكل سهولة أن يتركوا أخاهم عبدأ مقال مكيال الملك فأى عقل حصيف يقبل ذلك يا سيدى ؟؟ وحيث كان الغرض من ذلك هو الحصول على الشقيق الصغير ليوسف ,بأوامر مسبقة من يوسف نفسه من أجل إستحضار أهله من البدو إلى مصر ... فكيف تذهب هذا المذهب وتقول أن شريعة أبى الانبياء كان الرجل يؤخذ عبدأ مقابل أى شىء سرقه ؟ يا أخى راجع نفسك لو تكرمت بارك الله فيك .
أما قول الله تعالى ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجأ ) فهو قول خالد مثل بقية آيات القرآن العظيم وهو يتحدث عن بعض الإختلافات التى كان يعاقب بها الله تعالى بعض العصاة من عباده كاليهود مثلأ حين عصوا وافتروا على الله فحرم الله عليهم اشياءأ كانت حلالأ من قبل مثل قوله تعالى وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ))
ثم ارسل الله عليهم آخر أنبياء بنى إسرائيل لكى يحل لهم بعض ما كان حرم عليهم يقول تعالى ((َومُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ ))

ويختلف الأمر تمامأ فيما يختص بملة إبراهيم التى كانت أم الملل وبها كل ماشرع الله للإنسان ولذلك فقد أمر الله رسوله الخاتم ومن آمن معه أن يتبعوا ملة إبراهيم حنيفأ , ولم يقف الأمر هنا بل إن الله تعالى إعتبر أن من يرغب عن ملة إبراهيم سفيهأ ( إلا من سفه نفسه )
وأخيرأ يقول الدكتور نهرو عن عدم فهمه لبعض ما جاء فى ردى عليه
(أنا لم أفهم شيئا من هذا الكلام فأرجو أن يتفضل الدكتور بشرح كلامه هذا ويبين لنا الآتي:
1 – ماذا يقصد بقوله: (أن الملة واحدة وهي الأعم والأشمل، وتحتوي في داخلها على كل التعاليم الربانية والتشريعات وغيرها).
2 – هل الملة الواحدة تحوي شرائع كل الرسل؟؟ وهل الشرائع تختلف من رسول لرسول؟؟ أم شرائع كل الأنبياء والرسل واحدة؟؟ وإن كانت شرائع كل الأنبياء والرسل واحدة فما معنى قوله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا)؟؟.
3 – وإذا كانت الملة غير الشريعة فما هي الملة التي أمر الله جميع الأنبياء والرسل ومن بينهم محمد باتباعها؟؟.
4 – أما عن الآية التي يقول الله فيها: (لا نفرق بين أحد من رسله) يا أخي الله يقول رسله ولم يقل رسالاته، فالفرق والاختلاف في الرسالات وليس بين الرسل، فتدبر ذلك جيدا.
وقد ذكر الدكتور/ حسن عمر كلاما لا أدري ماذا يقصد من ورائه فقد قال:
(وأن جميع ما سبقها من رسالات سماوية قد احتواها المنهج القرآنى العظيم ( مهيمنأ عليه) أى أن كل ما أراد الله تعالى توصيله للبشرية من خلق وشرائع وأحكام وحكم وعبادات ونسك تم جمعه فى كتاب واحد معجز ومحفوظ من قبل الله تعالى نفسه ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) وأن القرآن العظيم تجديد لملة إبراهيم التى كانت تحمل كل ما فى القرآن وينطبق ذلك على من سبق من رسل وأنبياء ( ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ) ( إن هذا لفى الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ).))
وأقول للدكتور الفاضل نهرو : وماذا يفعل لك حسن عمر ؟
إننى كتبت ما اراه صحيحأ من خلال تدبرى للقرآن العظيم ولا زلت مصرأ وأؤكد أم الملة هى (( الدين وما به من شرائع )) وأن الله تعالى حين أمر حبيبه محمدأ باتباع ملة إبراهيم كان معناه إتباع ما جاء بها من معتقدات وتشريعات وأحكام ونسك وعبادات , وأنه لا تفريق بين نبى وآخر وبين دين وآخر فكلها دين الله تعالى يعبد فيها بلا شريك ويتبع منهجه السماوى وما فيه من شرائع وأحكام وعبادات ونسك , أى أننى غير متفق على تقسيم الرسالات بالطريقة التى قام بها الأخ الفاضل نهرو فى إجتهاده , وهذا إجتهادى والله وحده من وراء القصد ,
وشكرا لكم أخانا الفاضل .

الأحد، مارس 25، 2007

رد على الدكتور نهرو طنطاوى

فى مقال له بعنوان ( أنواع الرسالات الإلهية ) كتب الباحث والمفكرالإسلامى القدير الدكتور / نهرو طنطاوى
((أما الرسالات الإلهية التي أوحى الله بها إلى الأنبياء والمرسلين فتختلف عن بعضها البعض، من حيث توقيتها، ومن حيث مادتها، ومن حيث مهامها، إذن فهي مختلفة من حيث التوقيت، ومن حيث المادة، ومن حيث المهمة التي كُلِفَ بها النبي أو الرسول في هذه الرسالة أو تلك. فجميع الرسالات التي أوحى الله بها إلى الأنبياء والرسل أتت على نوعين لا ثالث لهما، وهما: النوع الأول: الرسالات الجديدة العامة المفصلة المركزية الكبرى. النوع الثاني: الرسالات الفرعية التجديدية، ويمكن استعراض هذين النوعين على النحو التالي: # النوع الأول: الرسالات العامة المفصلة المركزية الكبرى: الرسالة العامة المفصلة المركزية الكبرى هي: رسالة جديدة عامة كاملة شاملة أوحى الله بها، وميزها عن غيرها من الرسالات،)
ثم قام الدكتور نهر بتوضيح الفوارق بين النوع الأول والنوع الثانى
كما يلى :
((النوع الأول: الرسالات العامة المفصلة المركزية الكبرى: الرسالة العامة المفصلة المركزية الكبرى هي: رسالة جديدة عامة كاملة شاملة أوحى الله بها، وميزها عن غيرها من الرسالات، فهي تقوم على خصائص أريع هي:
1 – تأتي الرسالة الجديدة العامة المفصلة المركزية الكبرى في وقت قد اندثرت فيه الرسالات السابقة، بمعنى أن الرسالات السابقة لها قد ضاع مضمونها الحقيقي، وهدفها الأساسي، وبهتت ملامحها الأصلية، وتحولت إلى حزمة من العقائد والشعائر الوثنية التي لا تمت بصلة لأصل الرسالة الحقيقية، ولا بمضمونها الأساسي، ولا بملامحها الأصلية. وعند حدوث ذلك يبعث الله إلى برسالة جديدة عامة مفصلة مركزية كبرى.
2 – الرسالة العامة المفصلة المركزية الكبرى أوحى الله بها إلى رسول، والرسول هو: شخص عادي من الناس، لم يكن نبيا قبل أن يأتيه الوحي، إنما حصل على رفعة منزلة النبوة بعد الرسالة. وقد سبق وأن أوضحت الفرق بين النبوة والرسالة في مقالي السابق المعنون: (الأنبياء والرسل مخيرون وليسوا مسيرين).
3 – تتوجه الرسالة المركزية الكبرى لأكبر عدد ممكن من القرى ومن الناس، ولا تقتصر على قوم بعينهم، أو أناس بعينهم، بل يبعث الله رسوله بالرسالة المركزية الكبرى في أكبر القرى عددا من الناس، وأكبرها مقصدا وزيارة وتوجها إليها، أو وفق التعبير القرآني، يبعثه في أم القرى، قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا). (59- القصص). فمن خلال دراسة قصص الأنبياء والمرسلين في القرآن الكريم، نجد أن الله قد بعث رسولا برسالة عامة مفصلة مركزية كبرى في مجموعة كبيرة ممتدة من القرى، ولم يبعثه في قرية تلو أخرى، إنما بعثه في أم القرى، وأم القرى هي أشهر القرى وأكبرها عددا، وهي أصل القرى ومرجعها، كمكة التي سماها الله حين نزول القرآن بأم القرى في منطقة الجزيرة العربية ومن حولها، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا). (7- الشورى)، لأن مكة وقتها كانت أكبر القرى في تلك المنطقة، وأكثرها مقصدا للحجيج والتجار والزائرين وذوي الحاجات. إذن الرسالات المركزية الكبرى قد أوحى الله بها في قرية هي عاصمة جامعة لعدد كبير من القرى والمدن من حولها، وهي ما عبر عنها القرآن بأم القرى.
4 – تأتي الرسالات العامة المركزية الكبرى في كتاب مخطوط مقروء، ذلك الكتاب قد يأتي في صحف، أو ألواح، أو مجموعة رسالات مخطوطة. وقبل أن نسترسل في موضوع هذه الدراسة، لابد وأن نفرق بين مفهومين لكلمتي (كتاب) و(كتابة): الأول: مفهوم خاطئ يفهمه معظم الناس، والثاني: مفهوم صواب وهو ما نعتمده في هذه الدراسة، المفهوم الخاطئ لكلمتي كتاب وكتابة والذي يعتقده معظم الناس، أن كلمة كتاب تعني مجموعة الأوراق المخطوطة حول موضوع معين من الموضوعات العلمية أو غيرها من الموضوعات، وهذا مفهوم خاطئ يعتنقه معظم الناس، أما المفهوم الصحيح لكلمة كتاب هو: مِنْ (كَتَبَ) ومعنى كتب أي جمع بين شيئين أو أكثر، إذن معنى كتاب هو عدة موضوعات مختلفة ومتنوعة تم جمع بعضها إلى بعض، سواء كان الكتاب مخطوطا في أوراق، أو محفوظا في الذاكرة، وفي كلتا الحالتين تسمى هذه الموضوعات المجموع بعضها إلى بعض بـ(كتاب)، هذا هو المفهوم الصواب لكلمة كتاب وفق اللسان القرآني، أما عملية الخط والتي يطلق الناس عليها خطئا مصطلح (كتابة)، فالمسمى الأصلي لها هو كلمة (خط) والخط هو الأثر الممتد امتدادا لتثبيت شيء ما والدلالة عليه، إذن فالخط غير الكتابة، أما الكتابة فهي عملية جمع موضوعات متعددة سواء تم خطها على الورق، أو لم تخط على الورق، والذي يدل على ذلك قوله تعالى: (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ). (48- العنكبوت). فقال سبحانه تخطه بيمينك ولم يقل تكتبه بيمينك. أما الكاتب فكلمة تطلق على الشخص المتخصص في جمع الموضوعات المتعلقة بأمر ما، ثم يقوم بخطها على الورق، فهذا الشخص يسمى (كاتب)، ومن ذلك أيضا نتبين معنى قوله تعالى عن الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هو من عند الله، أي أن رجال الدين من أهل الكتاب كانوا يقومون باختلاق موضوعات دينية سواء خطوها أو لم يخطوها، ثم يقولون للناس هذا كتاب من عند الله.))
فقمت بالتعليق على مقال الأخ الدكتور نهرو وسألته بعض الأسئلة كما يلى :
((أخى الفاضل الباحث والمفكر الدكتور نهرو طنطاوى
تحية طيبة وبعد
أسعدنى جدأ تواجدكم على موقع أهل القرآن الكريم , كما تسعدنا بحوثكم القيمة ومقالاتكم المستنيرة فى مختلف مواضيع القرآن العظيم
ولقد قرأت معظم كتاباتك وأحييك عليها ولو كان لى بعض التحفظات على كثير منها فسوف يأتى كل شىء فى وقته , ندعو الله تعالى لك ولنا بالهداية على صراطه المستقيم وأن يكون القرآن العظيم هو نور عقولنا وربيع قلوبنا
أخى الفاضل لى سؤال بسيط عن موضوع الرسالات المركزية الكبرى والرسالات الفرعية وهو:
تحدث القرآن الكريم فى عدد من آياته الكريمة عن وجوب إتباع الرسول الخاتم لرسالة نبى الله ورسوله إبراهيم عليهما السلام , مما يوحى أن الرسول الخاتم كان مجددأ لرسالة أبيه إبراهيم , وأن ما جاء فى القرآن العظيم هو تكرار معجز لما كان مسطورأ فى صحف إبراهيم عليه السلام
ولذلك فإننى أرجو إلقاء نظرة موضوعية وتفسيرية للآيات الكريمة الآتية وهل من خلال تلك الآيات الآتية يمكن إعتبار أن الرسالة الخاتمة مجددة لرسالة إبراهيم وبذلك لا تنطبق عليها شروطكم حيث أنكم كررتكم دائمأ فى شروط الرسالات المركزية الكبرى أن تكون :
(أيضا جاءت رسالة موسى في وقت قد اندثرت فيه رسالة إبراهيم، وكانت رسالته عبارة عن كتاب جديد يحوي عدة موضوعات متنوعة هي: العلم، والحكم، والحكمة، والعبادات والنسك، وتفصيل لكل شيء، ولم تكن رسالة موسى رسالة فرعية من رسالة قبلها، ولم تكن أيضا تجديدا لرسالة قبلها، بل كانت رسالة جديدة مفصلة عامة شاملة، وقد أشار القرآن لرسالة موسى )
أى أنكم قمتم بتحديد الشروط الآتية للرسالة المركزية الكبرى :
1- إندثار الرسالة السابقة
2- وجود كتاب جديد يحوى على موضوعات متنوعة هى العلم والحكم والحكمة والعبادات والنسك وتفصيل كل شىء
3-ألا تكون تجديدأ لرسالة قبلها وأن تكون رسالة جديدة مفصلة عامة شاملة
وبناءأ على شروطكم التى اقترحتموها للرسالة المركزية الكبرى فهل ينطبق ذلك على الرسالة الخاتمة ؟؟
الآيات هى كما يلى :

( وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) البقرة 135
َ(ومَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) البقرة 130
( قلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (
آل عمران 95
( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ) النساء 125
( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الأنعام 161
( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ النحل )123
كما لا ننسى الآيات الكريمة الأخرى مثل
( إن هذا لفى الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ) وأداة الإشارة هنا تشير لما جاء فى القرآن العظيم
ومثل قوله تعالى
( ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك )
ارجو ألا أكون قد أطلت عليك
وبارك الله فيكم
وسننتظر ردكم الكريم الشافى
وكل عام وأنتم بخير
وتفضل الأخ الدكتور نهرو طنطاوى بالرد التالى على تعليقى :
((
رد على تعليق د. حسن أحمد عمر1
أخي الكريم الدكتور/ حسن أحمد عمر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أولا: أشكرك أخي الكريم الفاضل على مرورك واهتمامك بما أكتب

ثانيا: بخصوص سؤالك أخي الكريم حول أمر الله لرسوله باتباع ملة إبراهيم، ابتداء ينبغي أن نفرق بين مصطلحات القرآن وكلماته من حيث المعنى الأصلي لها، حتى نفهم مراد الله سبحانه من كلامه.
إن المفهوم الأصلي لكلمة (ملة) هو الزمن الطويل الممتد، فكلمة ملة من (ملي) والميم واللام والحرف المعتل هو الشيء الممتد في زمان طويل، ومعنى ملة إبراهيم هي: الدين القيم وهو إسلامه لله رب العالمين فقط دون غيره، إسلامه له في كل ما كلفه به، وقد فسر الله ملة إبراهيم بالإسلام لله، وذلك في بعض الآيات نذكرها على النحو التالي:

(وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ* إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ* وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ* أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَـهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ* وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً*)

(قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)

(قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ* وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ)

تعليق بواسطة نهرو طنطاوي - 2007-03-23

رد على تعليق د. حسن أحمد عمر2
إذن الملة هي الشيء الممتد زمنا طويلا، ونحن نعلم أن الشيء الوحيد الممتد زمنا طويلا من أول الأنبياء إلى آخرهم هو الإسلام أي الانقياد لله في كل ما أمر به، وهذا هو الدين القيم ملة إبراهيم، وهو قمة وذروة ما نسميه بالتوحيد، فالملة هي الإسلام لله وحده أو ما نسميه نحن بالتوحيد الممتد زمانا طويلا من أول الأنبياء والرسل إلى آخرهم محمد عليه الصلاة والسلام. والإسلام لله ليس تكليفا عمليا ماديا، وإنما هو تكليف يقع على القلب والعقل والنفس ابتداء، وهذا هو ملة جميع الأنبياء والرسل بلا استثناء، وهو الإسلام لله رب العالمين في كل ما أمر به ونهى عنه. قال تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) أي الانقياد لله.

إذن فالملة هي الإسلام لله رب العالمين، وليست هي الشريعة العملية من حكم وحكمة وشعائر ونسك وعبادات، لأن الحكم والحكمة والشعائر والعبادات تختلف من رسالة لأخرى.

فالله لم يأمر الرسول محمد باتباع شريعة إبراهيم التي هي التكاليف العملية، وإنما أمره باتباع الملة والملة حسب التعبير القرآني هي الإسلام لله أو ما نسميه بتوحيد الله. أما الشرائع العملية فكما تعلم فيها كثير من الاختلافات في الحكم والحكمة والمحرمات والمباحات والشعائر والنسك والعبادات، حتى وإن اتفقت في بعض الأشياء القليلة إلا أنها في المضمون العام تختلف عن بعضها البعض، ولذلك قال تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا)

فالرسالة الجديدة التي أتى بها محمد عليه الصلاة والسلام هي الشريعة الجديدة المفصلة والتي تحتوي على الحكم والحكمة والشعائر والنسك والعبادات، والتي تختلف عن شريعة إبراهيم وتختلف عن شريعة موسى في محتواها العام. فالاختلاف بين الرسالات الكبرى يكون في الشريعة التي هي الحكم والحكمة والنسك والشعائر والعبادات، وليس التجديد في الملة التي هي الإسلام لله رب العالمين، أو ما نسميه بالتوحيد، فهذا تكليف (قلبي عقلي نفسي) وهو الدين القيم وهو دين جميع الأنبياء والمرسلين وهو الإسلام لله رب العالمين، بالقلب والعقل والنفس أولا ، ثم العمل بالشرائع ثانيا، وليس التجديد أيضا في العلم الغيبي كاليوم الآخر والبعث والحساب والثواب والعقاب. فهو كما هو في جميع الرسالات الإلهية.

وقد أشرت إلى هذا بصورة مقتضبة في صدر مقالي حين قلت:
(إن الرسالات السماوية هي واحدة، وليست واحدة، فهي واحدة من جانب أن جميعها جاءت تدعوا إلى وحدانية الله بأركانه الثلاث: الألوهية، الربوبية، واللامثلية، وهذه الوحدانية سوف نتناولها لاحقا في دراسة مستقلة. أما أن الرسالات السماوية ليست واحدة، فمن ناحية المادة الرسالية التي جاءت بها كل رسالة على حدة)

وأخيرا أرجو أن أكون قد وفقت في الإجابة على تساؤلات أخي الفاضل الدكتور حسن عمر
ولكننى لم أقتنع برد الأخ الفاضل الدكتور نهرو فكتبت له الرد التالى :


أخى الفاضل الدكتور نهرو طنطاوى
تحياتى لك واشكرك على الرد ولكن ...
يا أخى الفاضل كيف يكون معنى كلمة ( ملة ) الزمن الطويل الممتد ؟ ومن أين وصلت لهذا التفسير ؟
لقد ذكرت كلمة ملة فى القرآن العظيم ستة مرات وكلها ترتبط بنبى الله ورسوله إبراهيم فى الآيات التالية :
البقرة 130 , 135
آل عمران 95
النساء 125
الأنعام 161
يوسف 37
, أما كلمة الملة فقد ذكرت مرة واحدة فى سورة ص الآية 7
وهى :
(ما سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ)
وكلمة ملة من الفعل ( يُمِل ) بضم الياء وكسر الميم وماضيها مُل ّ أى مل إملاءأ وهى تعنى كتب ويتضح ذلك من قوله تعالى فى سورة البقرة فى آية التداين يقول تعالى :
((فإن كان الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ) البقرة 282
وكلمة( يمل ) معناها واضح هنا بمعنى أن شخصأ سينطق بالدين بفتح الدال والآخر سيكتب ما ينطق به وكلنا يعرف حصة الإملاء فى المدرسة أى الكتابة غيبأ أى دون النظر لمصدر , ولقد أكد الله تعالى أن معنى (يمل ) هو يكتب حين قال فى نفس الآية (وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِه)
ومن هنا نتأكد أن كلمة ( يُمِل ) و ( يُملل ) معناها يكتب , ومنها جاءت كلمة ( ملة ) أى الكتاب المكتوب وهو طبعأ الوحى الذى أنزله الله تعالى على رسول من رسله .
أما كلمة ( أًمْلى) بفتح الألف وسكون الميم وفتح اللام وهى الماضى من( يُمْلى ) بضم الياء وسكون الميم وليس كسرها كما حدث فى ( يُمِل) فمعناها الواضح هو انتظرت وصبرت وانظر قوله تعالى فى الآية التالية :
(لَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) الرعد 32 أى صبر عليهم المولى وانتظرهم علهم يتوبون ثم أخذهم بكفرهم أخذ عزيز مقتدر عندما أصروا على مواصلة الكفر والعناد والتحدى لله تعالى . والآية الكريمة الآتية تؤكد أيضأ معنى صبر الله تعالى على كفر الكافرين وجرائم المجرمين حتى إذا أخذهم لم يفلتهم :
َ(وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) الحج 44 , أما الآية الكريمة التالية فجاءت بمعنى الإملاء :
(إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ) محمد 25 - أى أن الشيطان الرجيم وسوس لهم وأملاهم طريق الكفر والغواية فاتبعوه والعياذ بالله من الشيطان الرجيم .
وقوله تعالى ( واهجرنى مليأ ) أى فترة زمنية طويلة ومصدر مليأ هنا ملأ , أما مصدر كلمة ( ملة ) فهو ( ملل )
أخلص مما سبق إلى أن :
(1) كلمة ملة معناها دين وعقيدة ولا يمكن بحال أن يكون معناها ( الزمن الطويل الممتد ) كما كتب الدكتور نهرو طنطاوى .
(2) وكلمة يمل بضم الياء وكسر الميم معناها الإملاء أى شخص ينطق شفويأ والآخر يكتب ويسجل ما ينطق به الأول .
(3) وكلمة أملى بفتح الألف وسكون الميم وفتح اللام معناها صبر وانتظر وقد بينا كل تلك المعانى أعلاه
والسؤال للدكتور الفاضل نهرو طنطاوى :
كيف يستقيم المعنى بأن كلمة ( ملة ) معناها ( الزمن الطويل الممتد) ؟؟ ومن أين جاء هذا الإستدلال ؟
وفى نهاية تعليقى أؤكد أن دين الله الإسلام الذى أنزل على كافة الأنبياء والمرسلين وآخرهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم , هذا الدين قد ختمه الله تعالى برسالة القرآن التى (( هيمنت )) على كل ماسبقها من رسالات واحتوتها فى طياتها واشتملت على كل المابدىء والقيم الدينية والإنسانية التى كلف بها الله الإنسان منذ بدء الخليقة , وأن القرآن العظيم كان تجديدأ لملة أبينا إبراهيم الذى سمانا المسلمين من قبل , نعم , لقد جدد القرآن العظيم ملة إبراهيم أى دينه وعقيدته وشريعته التى كانت قد تبعثرت مع مرور الزمن وانقلبت أحوال أهل الجزيرة العربية فحولوها من ملة يعبد فيها الله بلا شريك على ملة مشركة تعبد فيها الأصنام بل وتضع الأصنام فى الكعبة وحولها ليعبدوها مشركين بالله ما لم ينزل به سلطانأ , وحولوا الصلاة الحقيقية إلى مكاء وتصدية ( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءأ وتصدية ) وأهدروا حقوق المرأة واقاموا لها الرايات الحمراء وتكسبوا بجسدها , ووأدوا البنات ( وإذا الموؤودة سئلت بأى ذنب قتلت ) , وأهدروا كل الأخلاقيات وكانوا مفسدين فى الأرض وقاطعين للسبل ومطففين للموازين , فجاء القرآن العظيم على قلب خاتم المرسلين لكى يجدد ملة إبراهيم ويصحح المفاهيم الخاطئة التى تراكمت على قلوب وعقول الناس فى الجزيرة العربية بفعل مرور الزمن .
كما أضيف أن الله تعالى أمرنا بعدم التفريق بين أحد من رسله ( لا نفرق بين أحد من رسله ) , وعليه فجميع الرسالات السماوية كانت بنفس القوة والفعل ولنفس الهدف وهو أن يعبد الله تعالى بلا شريك وتجتنب الفواحش
أما قوله تعالى ( لكل منكم جعلنا شرعة ومنهاجأ ) فلم يقل ملة ومنهاجأ لأن الملة واحدة وهى الأعم والأشمل وتحتوى فى داخلها على كل التعاليم الربانية والتشريعات وغيرها , ولو أردنا قول شىء من هذا القبيل فإن الرسالة الخاتمة هى رسالة عالمية لكل الناس بل وللجن أيضأ بما ضمن الله لها من حفظ لكتابها الخالد ( القرآن الكريم ) , وأن جميع ما سبقها من رسالات سماوية قد احتواها المنهج القرآنى العظيم ( مهيمنأ عليه) أى أن كل ما أراد الله تعالى توصيله للبشرية من خلق وشرائع وأحكام وحكم وعبادات ونسك تم جمعه فى كتاب واحد معجز ومحفوظ من قبل الله تعالى نفسه ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) وأن القرآن العظيم تجديد لملة إبراهيم التى كانت تحمل كل ما فى القرآن وينطبق ذلك على من سبق من رسل وأنبياء ( ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ) ( إن هذا لفى الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى )
شكرا للدكتور المفكر والكاتب وابلاحث المجدد نهرو طنطاوى وأتمنى له التوفيق والتفوق .

الثلاثاء، مارس 20، 2007

عمى بطاطا عمره ماطاطا ... لغير الله


مع الإعتذار الشديد للمطرب على الحجار الذى يغنى أغنية تبدأ بهذا المقطع الجميل والذى أتمنى ألا يكون مجرد أغنية بل يتحول لحقيقة يعيشها كل إنسان مصرى بل كل إنسان عربى , فليتنا نتعلم ألا نطأطىء رؤسنا لغير الله الواحد القهار الذى يقهر الطغاة ويفنيهم فى أقل من لمح البصر , وما بين طرفة عين وأنتباهتها يغير الله من حال إلى حال .
لماذا تعودنا – نحن العرب- على الخوف من أولى الأمر لدرجة الرعب والتقديس , الأمر الذى أوحى لهم أن الشعوب تحبهم وتقدسهم وتسبح بحمدهم , مما يجعل من حولهم من حاشية وبطانة يصورون لهم الشعوب ودودة محبة لطيفة , مقبلة نحوهم , مدبرة عن غيرهم , فينام أولو الأمر سعداء مقتنعين بعدلهم المطلق وحكمهم السديد ورأيهم الفريد ومنهجهم الذى لا يأتيه الباطل .
لا يقتصر الأمر عند الرئيس والملك والسلطان والأمير , بل يتدحرج ليصل إلى المحافظ ورئيس الحى ووكيل الوزارة ومدير الإدارة , فتجد لكل من هؤلاء من يروضه ويقابله لحظة جلوسه على الكرسى وحصوله على المنصب القدسى , فيزين له الحق باطلأ والباطل حقأ فيصدقه , وهو من عاش العمر يلهث خلف منصب , وكان يؤكد لنفسه كل صباح ومساء أنه سيفعل الخير وينصر المظلوم , ويقيم العدل , ويرتقى بمستوى العمل والعامل , فإذا به يشرب منومأ أبديأ , تعود مروضو أصحاب المناصب العليا أن يصبوه صبأ فى فم الضيف الجديد , المتقلد للمنصب ليصبح طوع أمرهم ورهن إشارتهم , يأمرونه – بأسلوبهم – فيأتمر ويسوقونه فينساق , ويضيقون عليه الخناق , فمن كان مجاهدأ فى عمله مناضلأ من أجل رفعة وطنه , صوروه له بأنه المنافق المتزلق المفترى وأنه الوحيد الذى يهدده فى منصبه فيتخذه عدوأ قبل الوقوف على حقيقته , ومعرفة سليقته , فيتم إضطهاده وعلى أقل القليل يتم اصطياده , فتموت مشروعاته, وتتقوض أمنياته , فينزوى فى ركن خائفأ من حقد الحاقدين وأيادى الباطشين , وهكذا يخسر الوطن العزيز فكر إبن بار ويسقط فى بئر ضلال الإبن الضار .
ومن كان معهم فى طريق ضلالهم ودرب نفاقهم أحبوه , ومن المدير العام قربوه , ومن أشهى الأكلات أطعموه , ومن أطيب المشروبات سقوه , فهو صنعتهم ورجلهم وصورتهم الكربونية , فيكون لزامأ عليهم ضمه , ورفع غمه , وإطعام فمه , فيقربونه للضيف الجديد صاحب المنصب الفريد , ويصورونه له بطلأ همامأ وأنه هو الذى يحضر الذئب من ذيله فينخدع فيه السفيه , ويقربه لمجلسه ويصبح مدرسه فتضيع الحقيقة , عندما يصير اللص صديقه!!!
ماهى حكاية عمى بطاطا ؟
إنه عامل بسيط يعمل منذ ثلاثين عاماً فى إحدى الوزارات الخدمية ساعيأ على باب وكيل الوزارة , يحبه الجميع ويحترمونه ويقدرون سنه وجهده وكفاحه لتربية أولاده الناجحين فمنهم المدرس والمحاسب والمهندس وطبيبة الأسنان , وطبعأ ظل أولاده يترجونه أن يستقيل من عمله , ليس لأنه عامل بسيط , أو أنهم يستصغرون مهنته , بعد أن كبروا وصاروا من ذوى المراتب , ولكن لأنه تعب كثيرأ فى حياته , ويعانى من أمراض الضغط والسكر وضعف فى عضلة القلب , ولكنهم يعرفونه صلب الرأى لا يتردد فرفض وأصر أن يواصل عمله حتى المعاش وكان يقول ( العمر واحد والرب واحد )
عمى على الشهير ببطاطا ( إسم أسرتهم ) لم يعرف أن يجعل خده مداسأ لأحد بل عاش عمره يحمل كرامته فوق رأسه ويعيش بها ولها , لا يجرؤ مخلوق على إهانته , فقد كان شخصأ مهذبأ محترمأ ذا كرامة عالية وقوة شخصية يحسده عليها كل الموظفين ,
كانت له صفات عجيبة يستغرب لها زملاؤه فى العمل , فمثلأ فى إحتفالات المسلمين بالمولد النبوى الشريف يرفض إحضار العرائس والأحصنة المصنوعة من الحلوى كبقية زملائه ويقول لهم ذكرى مولد المصطفى عليه الصلاة والسلام معناه أن أصلى أكثر وأقرأ قرآن و اصالح من أخاصمه وأراضى من أغضبته قبل ذلك , وعندما كانوا يذهبون لزيارة أولياء الله الصالحين وحضور مولد السيد البدوى وغيره فينفقون أموالا كثيرة فى هذا العبث , فكان يقول لهم : هذا شرك بالله تعالى لأن هؤلاء الأموات حتى لو كانوا صالحين فى حياتهم فإنهم لا ينفعون ولا يضرون فهم أموات يا عالم , والله حى لا يموت , وكان يعتبر ان الإنسان لا يسافر لأجل عبادة إلا للحج والعمرة فقط , وهكذا تمتع هذا الرجل العادى الذى يفك الخط بصعوبة بعقيدة سليمة وقلب نظيف لا يعرف غير الله الواحد الأحد , وكان يعمل معه موظف من قرية قريبة من المدينة , وكان بقريتهم شيخ ميت وله ضريح يزوره الناس من كل الأنحاء ومنهم المتعلمون , بل والحاصلون على الماجستير والدكتوراة , وكان هذا الموظف يمسك دماغ عمى على يوميأ حكايات عن كرامات هذا الشيخ المقبور , فكان عمى على ينظر له ببساطة وتعجب ويضحك من عقله وهيافته و ويقول له : أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون , ولكن لا أحد يعلم من هم غير الله يا صاحبى , اتق الله ولا تكن من المشركين , أى عقل يتمتع به عمى بطاطا ؟؟ !!
فى صباح هذا اليوم استيقظ عمى على بطاطا مبكرأ كعادته , كانت الدنيا جميلة والسماء صافية , وآذان الفجر يصدح من حوله آتيأ من كل مئذنة , خرج من منزله وصلى الفجر وعاد ليجلس مع أهله كالعادة ويتناول طعام الإفطار ليذهب إلى عمله قبل السابعة صباحأ , وهناك فى عمله كان غاية فى النشاط وكان سعيدأ كل السعادة , ولكن ماذا حدث ؟ وما الذى عكر صفو الحياة ؟
وكيل الوزارة : فين على ؟
مدير المكتب : موجود يافندم نزل تحت فى طلب أنا ارسلته وسيعود حالا
وكيل الوزارة : إزاى ينزل الحيوان ده ويسيب باب المكتب ؟
فى هذه اللحظة وصل عمى على وسمع السيد الوكيل يقول ( إزاى ينزل الحيوان ) فقال له : أنا مش حيوان يابيه
وكيل الوزارة : انت بتتكلم يا غبى كمان ؟
عمى على : أنا مش غبى يابيه وما يصحش كده , أنا رجل كبير ومحترم وأولادى فى رتب محترمة
وكيل الوزارة : أنا مالى ومال أولادك , انت بتهددنى بيهم , أنا حوريك يا حمار يا غبى !!!!
عمى على ينفعل أشد الإنفعال : أنا مش حمار يا بيه أنا إنسان زيك ويمكن أحسن عند ربنا .. ثم يسقط مغشيأ عليه .. وأسرع الجميع لإحضار مياه وعطور لكى يفيق عمى على بطاطا , ولكنه كان قد فارق الحياة , ومات بتوقف فجائى للقلب , نعم , مات وهو شريف بقوة شخصيته وقوة كرامته التى أبت أن تخضع لمخلوق أو تقبل الإهانة , لقد مات لأنه لم يتعود أن يشتمه أحد , فقد مر عليه قرابة الستين سنة – هى عمره أو أقل قليلأ – لم يسبه أحد ولم يسب مخلوقأ طوال عمره , مات بعزته وكرامته , وظل وكيل الوزارة ينظر مذهولأ له ويضرب كفاً بكف , والناس جميعأ يرمقونه بنظرة إحتقار , لأنهم جميعأ يعرفون قدر عمى على بطاطا , ذلك الرجل الذى كافح فى زمن الصعاب وعلم أولاده من مرتبه ودكان بقالة صغير ينفق عليهم من حلال ومن عرق جبينه , عاش شريفأ ومات شريفأ , فمتى يؤمن أصحاب المناصب بأحقية الآخرين فى الكرامة والعزة والإنسانية ؟ ولماذا يتناسون دائمأ أن كل إنسان مهما كان فقيرأ أو صغيرأ له كرامته وحلمه الذى يعيش له وأنه جدير بالإحترام .
هذه قصة عمى على بطاطا الذى مات أمام الجميع دون أن يطأطىء رأسه لغير الله تعالى , فياليتنا جميعأ نتعلم منه , ونحترم كرامتنا ونحترم إنسانيتنا ولا نخضع لغير الله تعالى ولا نخشى سواه سبحانه فالحياة منحة الله للعباد والرزق ضمنه الله لكل مخلوق .

الخميس، مارس 15، 2007

هذه بضاعتكم ردت إليكم



هذه بضاعتكم ردت إليكم
( قصة حقيقية على لسان صديق)
طبيب مصرى سافر للعمل فى إحدى دول الخليج وكان حظه أن المنطقة التى نزل بها للعمل متشددة دينياً إلى ابعد حد يمكن أن يتخيله إنسان , وصاحبنا – الطبيب – كان مسلماً عاديأ يصلى الفرائض ولكن ليس بانتظام وأحيانأ يؤخر بعضها أو يجمع عدة فروض بسبب عمله أو لأى سبب آخر ولكنه فى النهاية كان ينام مسبحاً ذاكرا لربه شاكرأ لأنعمه وكان ممن يؤمنون أن الدين لله تعالى هو وحده الذى يحاسب عباده على أعمالهم , كما كان متحررأ فكريأ فهو يشاهد الأفلام التلفزيزنية والمسلسلات والأغانى والفيديو كليب وأحيانأ تقع يده على شريط ثقافى فيشاهده خلسة دون أن يراه أحد ثم يستغفر ربه على هذا الذنب المشين .
كان يصوم رمضان كأى مسلم ويحلق لحيته فتظل ناعمة ملساء لعدة ايام ويضع الكريمات والبارفانات ويرتدى ما يشاء من بناطيل وقمصان وبلوفرات وبدلات وغيرها , ويستعمل منذ طفولته فرشاة اسنان لتنظيف أسنانه ثلاثة مرات يوميأ , ولكنه – كما حكى – كان يحب عمله جدأ ويقوم به على أكمل وجه ويجاهد قدر الإمكان ليصبح طبيباً مرموقا وناجحاً , وكان أهل الحارة يحبونه حباً شديداً ويقدرونه وهو بينهم يعيش أخاً للجميع وفى معظم الأحيان يوقع عليهم الكشف الطبى أخوية – يعنى بدون أجر- لشعوره بأنهم جميعاً مثل أهله وكم قدموا له من خيرات ومواقف نبيلة شهمة فى حياته الماضية وهو طبعاً يقدر ذلك أعظم تقدير.
كان لم يتزوج بعد وقد مر عليه الزمن فكبر فى السن حتى ناهز الأربعين من عمره ولكنه كان ينظر إليه كأنه فى الثلاثين من شدة حيويته ونشوة شبابه وقوة شخصيته , ظل يحلم بعقد عمل إلى دول النفط يرفع من مستواه المادى ليجد بنت الحلال التى تحتاج لكم هائل من الأموال حتى ترضى عنه وتتزوجه , وأخيرأ وجد عقد العمل ودفع فيه تحويشة العمر وسافر على حسابه بالطريق البرى فقد كانت هذه إحدى شروط السيد الكفيل الذى يمتلك المستوصف الخاص , وفى طريقه للسفر ذاق الأمرين من الأوتوبيس وطول الطريق وشقاء السفر والحر والحسرة على فراق الأهل والأصدقاء والجيران والأحبة ولم يجد فى طريقه صديقاً مخلصأ يأنس به أو رفيقاً حنوناً يشكو له وجع الغربة التى يشعر بنارها تلسع قلبه رغم أنه لم يزل بعد فى أراضى بلده الحبيب مصر ولم يعبر بعد إلى الجانب الآخر .
وصل الرجل إلى مقر عمله وهناك قابلوه مقابلة حسنة وأوصلوه إلى مسكنه الجماعى ( لأنه أعزب ) وكان بصحبته إلى مسكنه زميل له يعمل هناك منذ عامين وقد تأقلم ( على حد زعمه ) مع الوضع هناك حيث أن المنطقة التى بها المستوصف أهلها متشددون للغاية خاصة فى الشكليات الدينية فمثلأ حذره زميله من حلق لحيته لأنها ستكون مشكلة لو حلقها كلما راح أو جاء , كما طلب منه أن يحف الشارب وأن يرتدى جلباباً لا يصل للأرض وأن يحمل فى جيبه مسواكاً يدعك به أسنانه قبل كل صلاة وأن يقيم جميع فرائض الصلاة فى المسجد وعندما يسمع المؤذن لا بد أن يهرول للمسجد ولا يتأخر أبداً وإلا تعرض لمساءلة ( المطوعين ) وهم مسؤولون عن جمع الناس من الشوارع والمحلات والمنازل لأداء الصلاة ولو لاحظوا عليك – لازال الكلام من الزميل موجهاً للطبيب المصرى – أنك تتأخر عن أداء الصلاة فهى طامة كبرى , وإذا دعيت فى عزومة أو أكلت أمام الناس فى مطعم فعليك تناول طعامك بيدك اليمين ولا تستخدم اليد اليسرى فى ذلك أبدأ , وأن تشرب المياه على ثلاث مرات وتسمى قبل كل مرة وتحمد الله بعد كل مرة , وبالنسبة لتليفونك المحمول عندما تشترى تليفون وخط حذارى من وضع موسيقى أو أغنية كنغمة فى التليفون وإلا تعرضت هنا لمساءلات المطوعين الذين سيتتبعونك أولاً بأول ويرصدون حركاتك لحظة بلحظة , وبطبيعة الحال فقد كان لديك طبق ( دش) تستقبل به القنوات التلفزيونية فى مصر , أما هنا فحذارى من محاولة تركيب طبق فقد كسروا هذا العام أكثر من عشرين طبق وحكم بالجلد على من حاول تكرار محاولة تركيب الدش أو التلاعب عليهم بأى شكل من الأشكال فلديهم عيون تأتى لهم بالأسرار من كل مكان وساعتها لن يرحموك.

كل ذلك وأخونا الطبيب الجديد ينظر لزميله وقد فغر فاهه وفتح عينيه وصار نفسه سريعاً من الخوف والرعب والإنزعاج , كيف ذلك وما هذا الرعب الذى تريد أن تقنعنى به ؟ أنا أصلى ولكن معظم الفروض فى المنزل أو العمل ومعظم الأحيان أقوم بتأخير الفرض لعذر يعلمه الله ربى وأحياناً أجمع فرضين وأحياناً أخرى يضيع منى فرض أو إثنان ولا أقضيهما , أما عن اللحية فأنا لم أطلق لحيتى طوال عمرى الماضى فكيف أطلقها اليوم ولماذا ؟ وبالنسبة للمسواك فطوال عمرى أستخدم معجون الأسنان , وبالنسبة للجلباب فلن ألبسه أبدأ فأنا متعود على البنطلون والقميص وغيره , وبالنسبة لأكلى باليد اليمين والشرب على ثلاث مرات فلم أتعود على ذلك , فقال له زميله : لا بد أن تؤقلم نفسك على ذلك كما فعلنا جميعاً وليس مهماً أن تكون مقتنعاً يا صديقى فهى فترة وستمر !!
تعجب الطبيب من كلام زميله إذ أنه لم يتعود على فعل شىء بغير قناعة كاملة فقال له ولكننى غير قانع بما تقول فأنا أعلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يطلق لحيته مثل بقية القوم وحتى كان يطلقها قبل أن يبعث نبياً لأنها كانت عادة متبعة لقلة الحلاقين وصعوبة الحلاقة وأسباب أخرى وأما عن المسواك فقد كان النبى يقصد نظافة الفم والأسنان وطهارة رائحتهما ولم تكن فى زمنه فرشاة أسنان أو معجون يكافح الجير أو التسوس ولو عاش النبى فى زماننا لاستخدم المعجون والفرشاة لأنه أطهر خلق الله تعالى ,
راح صاحبنا – الطبيب الجديد – فى جدال عقيم مع زميله الذى تأقلم على الوضع وصار قطعة من أهل المكان بكل صفاتهم حتى يعيش ويكسب قرشين يعود بهما لأهله سالماً غانماً , ولكن بطل قصتنا كان مشاكساً ومجادلاً أكثر من اللازم , وعندما وصلوا لمسكنه دخل وودعه زميله وتمنى له الخير والتوفيق , ودخل صاحبنا مسكنه ورأسه يدور فيما سمعه من تحذيرات إقشعر منها بدنه , ونام ليلته من شدة الإرهاق واستيقظ صباحاً على كلاكس سيارة المستوصف ليذهب لإكمال الإجراءات فقام على الفور وفى بضع دقائق جهز نفسه ونزل للسائق وغادرا المكان متوجهين للمستوصف حيث قابل المدير الذى سلم عليه بحرارة شديدة ورحب به , ولكنه بعد فترة قصيرة بدأ يتحدث معه عن اللحية والشارب والجلباب والمسواك والإلتزام بآداب السنة النبوية , ولم يحاول صاحبنا جدال المدير كما فعل أمس مع زميله ولكنه وعده بأن يكون عند حسن ظنه , وتكررنفس الموقف مع كل من قابلهم من أطباء وممرضين وعمال فى المستوصف فالكل يلتزم بنفس الأشياء التى حدثه فيها صاحبه بالأمس , ولكن صاحبنا له رأى مخالف فهو يرى أن هذا تدخل من هؤلاء بينه وبين الله تعالى وأنه لا يجب أن يفعل إلا ما يؤمن به ولا يؤدى إلا ما يقتنع به ولكنه الآن وجد نفسه مجبرا على فعل أشياء لم تخطر له ببال , بل إنه كان يضيق ذرعاً بمن يشبههم فى مصر ولا يحاول مطلقاً أن يناقشهم لعلمه بتعصبهم وتشددهم بل وتطرفهم الذى وصل أحياناً لإتهام الغير ملتحين بالكفر ومعاداة سنة الرسول وغير ذلك من فكر متطرف عجيب , فكيف يعيش وسط هؤلاء ؟ وهل فعلاً سيطلق لحيته ؟ ويرتدى جلبابأ ويحمل مسواكاً ويأكل فقط بيمينه وكأن اليد الشمال بنت حرام ؟ وكيف يستيقظ مبكرا لصلاة الفجر وقد تعود على صلاة الصبح بعد أن يصحو على مهله ؟ وماذا سيكون موقفه لو أحداً من المطوعين تعرض له ؟ إن كلامهم مطاع وهم يحكمون الناس ويتحكمون فيهم فكيف يعيش هنا وقد كان يعيش فى كامل حريته فى مصر لا يسأله أحد عن صلاته أو صيامه أو عباداته أو ملابسه أو لحيته أو شاربه أو طريقة طعامه باليد اليمين أو الشمال أو بكليهما , وعن غسل أسنانه بالمسواك أو بالفرشاة وغيرهما ,
بحر متلاطم من الأفكار المتزاحمة المشتتة .... هل يعود من أول أسبوع إلى مصر ؟ هل يسمع كلامهم وينفذ تعاليمهم ؟ ويلغى عقله وقناعته التى عاش بها ؟ وماذا سيقول عنه الأهل والجيران والزملاء لو عاد بهذه السرعة , سيتهمونه بالفشل وعدم الرجولة وعدم القدرة على تحمل الغربة وفراق الأهل
, والأصعب من ذلك سيضيع عليه ما أنفقه من مال قد اقترض نصفه للحصول على العقد والسفر فماذا سيكون موقفه ؟ لقد أقنع نفسه أن يصبر حتى ولو عدة أشهر لتعويض مخاسره فى هذه الرحلة التى بدت تعيسة من أول لحظاتها ,
ومرت الأيام وبدأت لحيته فى النمو حتى استطالت وقصر شاربه , ولبس جلبابا أبيض ووضع المسواك فى جيبه وواظب على الصلاة فى مواعيدها واكتشف أنه عندما يذهب لصلاة الظهر فى الثانية عشرة فإن الإمام يقيم الصلاة بعد خمس وأربعين دقيقة ويصلى فى ربع ساعة وبذلك يضيع من وقت عمله ساعة كلما ذهب لصلاة فرض من الفروض , وصار فى نظرهم الشيخ التائب والعابد الزاهد فكانوا يكنون له كل الإحترام والتقدير بعد أن غير من نفسه بنسبة 360 درجة , وهو فى داخله غير قانع بأى شىء يفعله .

كان المستوصف مقسوماً قسمين , قسم للرجال يقوم عليه أطباء وعمال وممرضون , وقسم للنساء يقوم عليه طبيبات وممرضات وعاملات , ولأن صاحبنا كان طبياً عاماً وكان يعمل فى دوام منفصل بذاته ليلاً فقد يأتى له الجميع بما فيهم النساء للكشف عليهم , وكانت أى سيدة تأتى طبعاً منقبة ويحضر معها زوجها أو أبوها أو أخوها ( محرم ) بفتح الميم والراء لأنه لا يصح أن تخرج وحدها وكنت أستدعى ممرضة من الجانب النسائى لكى تقوم بوضع السماعة على صدر المريضة بيدها هى وليس بيدى وكنت لا أجرؤ على سؤال المريضة عن مرضها لأن صوتها عورة فكنت أتوجه بالسؤال لزوجها أو محرمها فيرد هو ويشرح ما تعانى منه , وبالطبع التشخيص لا يمكن أن يكون صحيحا لأن هناك أعراض تكون فى العيينن ( بياض العين مثلأ لو تحول للأصفر ) والوجه ( شحوب الوجه مثلاً يدل على الأنيميا ) والشفتين ( هناك أمراض لا تعرف إلا من لون الشفتين ) والعنق ( أمراض الغدة الدرقية والغدد اللمفاوية العنقية ) لا بد أن يدقق الطبيب فيها حتى يصل لتشحيص سليم , فكان صاحبنا يضطر لكتابة روشتة علاج كبيرة لانه كان يخمن ( يتوقع ) التشخيص وهو غير متأكد منه !!!!!.
فى أحد الأيام لم يقم لصلاة الفجر فقد كان جنباً , وجاء المطوع لباب مسكنه وقال له ((الصلاة الصلاة )) فرد بسرعة : حاضر أنا قادم ودخل الحمام وهو شبه نائم واغتسل بماء سخن لأنه لم يتحمل الماء العادى وقتها وخرج فوراً لصلاة الفجر حتى لا يتعرض لعقاب المطوعين فأصيب بنوبة برد حادة ظل يعالج منه أسبوعين من إحتقان بالزور ونزلة شعبية حادة وارتفاع بالحرارة وخلافه ومع ذلك كانوا يمرون عليه لصلاة الفجر أثناء مرضه فيذهب للصلاة خوفاً منهم وهو مريض .
مما رآه من عجائب أنه فى أول ايامه هناك مدّ يده لجاره المصلى وقال له : تقبل الله وحاول السلام عليه فرفض جاره فى الصلاة السلام عليه أو حتى الرد عليه فحزن حزناً شديداً وسأل إمام المسجد عن هذا التصرف فقال له : السلام بعد الصلاة لم يرد فى السنة يا أخى !!!!
فاض الكيل بعد أربعة أشهر من وصوله وجاء موعد إمتحان وزارة الصحة الذى يدخله أى طبيب جديد فقرر أن يرسب فيه ليهرب من هناك وقد كان , فظهرت نتيجته وكان راسباً رغم أنه تكلف مبلغأ كبيرأ من المال رسوم دخول هذا الإمتحان ولكن الرسوب فيه كان فرصته الوحيدة للفرار والعودة لبلده , وقرر العودة رغم إلحاح المدير عليه بالبقاء وأن من حقه دخول الإختبار مرة أخرى فرفض وصمم على العودة لمصر , وحصل منهم على تأشيرة خروج نهائى وعاد أيضاً بالأتوبيس , وعندما وطأت قدماه ارض مصر سجد لله تعالى وقبل أرض وطنه الحبيب وقال لو عشت متسولاً هنا أفضل من الحياة هناك ألف مرة ,
وعندما وصل منزله وسلم على أهله بكى بكاءاً مراً وبكوا جميعاً من أجله ثم نام يومين ليرتاح من وعثاء السفر , وفى صباح اليوم الثالث حلق لحيته ذات الشعر الكثيف ونعّمها تمامأ مثل أيام زمان , ثم وضع شعر لحيته فى خطاب كبير( مسوجربعلم الوصول ) ومعه ورقة مكتوب عليها ( هذه بضاعتكم ردت إليكم ) وأرسلها لمدير المستوصف وعندئذ , هدأ قلبه وبردت ناره , واستلم عمله فى بلده وفتح لنفسه صفحة جديدة .