أحلم أن أستيقظ يومأ فإذا الشمس تبدد كل ظلام الكون وإذا الحب يهيمن ويدمر أصنام الحقد أحلم أن تبزغ فى لمحة عين كل بذور الأمل المدفون تحت جدار الخوف

الأحد، أغسطس 24، 2008

أبعث الله بشراً رسولاً ؟



كانت بشرية الأنبياء والمرسلين من أخطر القضايا التى عانى منها الرسل أنفسهم ، ومنذ أخرج الله آدم من الجنة مع زوجته وطرد قبلهم إبليس قال الله تعالى :
( إهبطوا منها جميعأ بعضكم لبعض عدو )


ثم قال عز من قائل :


( فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداى فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكأ ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لما حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرأ قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى )

وأرسل الله الرسل من بنى البشر فرفضهم أغلبية الناس بحجة أنهم بشر وكان قولهم دائمأ :


( أبعث الله بشرأ رسولا )
( لإن إتبعتم بشرأ مثلكم إنكم إذأ لخاسرون )


وكانوا إذا مر عليهم الرسول قالوا
:
( أهذا الذى بعث الله رسولا )


وإذا رأوه يشترى أو يبيع قالوا :


( ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق )


وقالوا :
( لولا إنزل إليه ملك فيكون معه نذيرأ )


وكان الله يرد عليهم
:


( قل لو كان فى الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكأ رسولأ )
ثم
ينبههم الله لشىء هام جدأ وهو أن هذا الملك أو الملاك مكون من مواد غير مرأية بالنسبة للبشر المخلوقين من الطين ولذلك فإن الله لا بد أن يحول بقدرته ذلك الملاك إلى نسخة بشرية قابلة للرؤية من قبل البشر :


(ولو جعلناه ملكأ لجعلناه رجلأ وللبثنا عليهم ما يلبثون (


ويذكر
القرآن العظيم قصة الملائكة الذين ذهبوا بتكليف من مالك الملك إلى نبييه إبراهيم ولوط فلما دخلوا على إبراهيم لم يدرك أنهم ملائكة لأنهم كانوا على هيئات بشرية ، وإستضافهم فى منزله بكرمه العربى الأصيل ثم دخل فذبح عجلأ وطبخه وعاد إليهم بالطعام – كعادة الكرام ---ولكنهم لم يأ كلوا :


( فلما رأى أيديهم لا تصل إليه أوجس فى نفسه خيفة )


فلما لاحظ الملائكة قلق إبراهيم عليه السلام :


( قالوا لا تخف إنا رسل ربك (


ودار
بينهم حوار شيق مفاده أنهم ---الملائكة –قادمون فى مهمة عاجلة تبدأ بتبشير نبى الله إبراهيم بولد ينجبه رغم كبر سنه وسن زوجته والأمر الثانى هو تدمير قرية لوط الظالمة التى كانت تعمل الخبائث جنبأ إلى جنب مع الكفر والشرك والفواحش الأخرى .


عندما أراد الله تعالى تكريم رسوله الخاتم جعله يرى الملاك العظيم جبريلأ رأى العين وكانت آية كبرى :
( لقد رأى من آيات ربه الكبرى(
ولما كذبه الكفار والملحدون والمشركون وجادلوه فال الله لهم :


( أفتمارونه على ما يرى ؟ ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى )


ولقد
سمى الله تعالى عبده جبريلأ ( شديد القوى) وكلفه أن يعلم رسول الله محمد (ص) القرآن وتلاوته وكتابته وكل الفرائض الدينية التى وصلت لنا بالتواتر الشفهى مثل الصلوات الخمس وطريقة حج بيت الله الحرام وغير ذلك من أمور العبادة التى قام جبريل بتعليمها لرسول الله الخاتم يقول الله
( علمه شديد القوى )


( لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه )


لم بقتنع الكفار ببشرية الرسل على مر الزمان فكانوا بقولون
:
( أءلقى الذكرعليه من بيننا بل هو كذاب أشر )


فيرد عليهم الله :
( سيعلمون غدأ من الكذاب الأشر )


وكلمة غدأ معناها يوم القيامة ويعبر عنها مالك الملك بهذا التعبير لأنه يرى الماضى والحاضر والمستقبل وكان يطمئن رسوله بقوله
:
( إنهم يرونه بعيدأ ونراه قريبأ )


لأننا
بشر من طين ونحن حديثو عهد بالكينونة والوجود ولذلك يقحم الإنسان نفسه فى مسائل صعبة المنال مثل أين الله ؟؟ ومتى يأتى يوم القيامة؟؟ ثم يضحك عليه إبليس ويخرجه من غرفة المؤمنين الصالحين ويجعله يهرف ويخرف قائلأ :


( إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر )
( إن هى إلا حياتنا الدنيانموت ونحيا وما نحن بمبعوثين )


فكان الله يقول له
:


( ذرهم يخوضوا ويلعبوا ويلههم الأمل حتى يلاقوا يومهم الذى يوعدون )


ويتفاجأ الكفرة والملاحدة بعد موتهم بأنفسهم مستيقظين من سباتهم العميق فى يوم بعث عظيم كفروأ به من قبل :


( وقالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الله وصدق المرسلون )


لم بقتنع الكفرة يوما من الايام بأن هناك نبى من البشر فكانوا يقولون :
( لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعأ (


( أو يكون لك بيت من زخرف او تأت بالله والملائكة قبيلأ )
( أو ترقى فى السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابأ نقرؤه )


فيرد عليهم الله تعالى :
( قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرأ رسولأ)


( وما منع الناس أن يؤمنوا إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولأ ) ؟؟


بل لقد وصل الأمر إلى حد إتهام الرسل بالسحر والشعوذة والكهانة وكتابة الشعر:
( أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون)
( وقالوا ياأيها الساحر أدعو لنا ربك )


ثم وصل حقدهم لدرجة القول
:


( لولا إنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم )


فيرد الله تعالى :


( أهم يقسمون رحمة ربك ؟ نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحياة الدنيا(


ولم يقف كره الناس لبشرية الرسل عند هذا الحد بل لقد كذبوا الكتب السماوية وخصوصأ القرآن وقالوا :


( أساطير الأولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلأ )
( وقالوا إنما يعلمه بشر)


ثم وصل بهم التحدى لدرجة قولهم
:
( لو نشاء لقلنا مثل هذا )

فتحداهم الله بقوله :


( قل لئن إجتمعت الإنس والجن على أن بأتوا بمثل هذا القرآن لاياتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً (
( فليأتوا بسورة من مثله )
( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون )


وبقول الله عن بشرية الرسول :


( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملأ صالحأ ولا يشرك بعبادة ربه أحدا )


ولأن
الأنبياء بشر فهم يصيبون فى آرائهم ويخطئون فيها أحيانأ خاصة عندما يكون الكلام فى الأمور الدنيوية العادية أما فيما يخص الدين فالله يحفظهم من الخطا والنسيان ويدافع عنهم ضد شياطين الجن والإنس ولقد تعلموا من الخالق سبحانه أنهم متبعون لدين الله إتباعأ حرفيأ دون زيادة أو نقصان :


( وما كان لرسول أن يأتى بآية إلا بإذن الله (


وكل
نبى يعرف مهمته التى كلفه بها مولاه سبحانه وهى الدعوة لعبادة الله بلا شريك ونشر المحبة والسلام والحرية بين الناس حتى يصبح الدين لله تعالى يقيمه فى قلب كل إنسان ويحاسبه على تقواه أو كفره تبعأ لحالة كل إنسان .
ولست
أدرى كيف يتجرأ بعض الأدعياء الذين يرفعون الرسل لدرجة الألوهية ويدعون أن لهم تشريعات مع تشريعات الله وأقوال مع كلمات الله التامات بل وأفعال تناقض كتب الله السماوية ويرد الله تعالى عليهم :


( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادأ لى من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون )

الأحد، أغسطس 10، 2008

فاذكرونى أذكركم





(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) البقرة 152

أولاً لماذا يجب أن نذكر الله تعالى كثيراً ؟

إن ذكر الله تعالى هو أم كل العبادات من صلاة وصيام وحج وزكاة وصدقات ، ولما كان لذكر الله تعالى كل هذا الحجم الهائل من العظمة والقداسة فقد فكرت فى عمل هذا البحث عن ذكر الله العلى العظيم , والآن هيا نجيب على السؤال : لماذا يجب أن نذكر الله تعالى ذكراً كثيراً :

1- كنا لا شيئاً فأصبحنا أشياءاً بفضله جلّ وعلا :

(أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ) مريم 67

2- كنا عدماً فمنحنا الله نعمة الكينونة :

(هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا ) الإنسان 1

3- جئنا بإرادة الله تعالى إلى هذه الدنيا لا نعلم شيئاً :

(وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) النحل 78

4- كنا لا نملك شيئاً فمنحنا الله ما نملكه :

(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ) يس 71

5- وسخر لنا ربنا سبحانه كل شىء :

(وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) إبراهيم

33

(وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) النحل 12

(وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) النحل 14

6- نتحرك ونعيش ونسعى بقوة الله تعالى :

(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) يونس 22

ولهذه الأسباب جميعاً وغيرها كثير فرض الله على عبده الإنسان أن يذكره كثيراً فقال تعالى :

(أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ) الأحزاب 41-43

والمؤمن الحق بالله تعالى وحده لا شريكاً له يتلذذ بذكر الله تعالى ويأنس به ويسعد به ولا تهنأ الحياة بغيره :

(الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) الرعد 28

أما الكافرون بالله تعالى فإنهم يكرهون ذكر الله العلى العظيم :

(وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ ) الأنبياء 36

بل إنهم تشمئز قلوبهم إذا ذكر الله تعالى أمامهم وحده وترقص قلوبهم المريضة فرحاً إذا ذكر الذين من دونه :

(وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) الزمر 45

(وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ) الإسراء 46

(ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ) غافر 12

ثانياً أنواع ذكر العبد لربه :

1- ذكر مزيف ينهى عنه الله :

ومن العجب العجاب أن الله تعالى قد فصل لنا فى كتابه العظيم كيف نذكره ومتى وأين ومستوى الصوت الذى نذكره به ونفصل ذلك فيما يلى :

(وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ ) الأعراف 205

ومع هذا التوجيه الربانى البين فإن أعداداً مهولة من المسلمين لا يذكرون الله تعالى إلا جهراً على المسبحات ، ورقصاً فى الموالد والساحات ، وضوضاءاً فى مكبرات الصوت والميكروفونات ، ضاربين بهذا التوجيه الربانى العظيم عرض الحائط معتقدين – ظلماً وعلواً – أن الله تعالى يرضى بهذه الضوضاء السيئة التى تزعج المرضى والشيوخ والأطفال وتقض مضاجعهم ، ولو كان ذكرهم لله بهذه الطريقة صحيحاً لما اعتبره الله تعالى غفلة وعدواناً ، لأن الله السميع العليم الذين يعلم أسرار الذرات والمجرات قادر على معرفة من يذكره وقادر على مكافأته ومجازاته ، أما هم فما قدروا الله حق قدره فهو يعتقدون أن الله تعالى يحتاج لذلك الضجيج وتلك الضوضاء الفظيعة لكى يسمعهم وهذا أكبر دليل على جهلهم بالله تعالى وبصفاته .

حتى عندما نريد أن ندعو الله تعالى فقد أنزل الله قانوناً سماوياً لطريقة الدعاء :

دْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) الأعراف 55

ومع ذلك فانظر للطوائف والفرق المنتسبة للمسلمين وانظر ماذا يفعلون عندما يدعون ربهم ، والكم الهائل من الإزعاج الذى يسببونه لكل من يجاورهم أو يسمعهم ويعتقدون بذلك أنهم مؤمنون أتقياء صالحون والحق أنهم بهذه الأساليب المرفوضة قرآنياً جهلاء لا يعلمون شيئاً عن ربهم ولا عن كتابه العزيز .

بل إن صوت المصلى أثناء صلاته قد أنزل الله تعالى له قانوناً ربانياً يحكمه يقول تعالى :

(قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ) الإسراء 110

ومما أود ذكره أن الناس قبيل بعثة الرسول الخاتم عليه الصلاة والسلام كانوا قد شوهوا ما ورثوه من عقائد دينية عن ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وحولوا الصلاة والذكر إلى أصوات عالية وقرع بالطبول والدفوف ومزاح ورقص وركض ولهو فقال عنهم الله تعالى :

(وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ) الأنفال 35

2- ذكر حقيقى يأمر به الله تعالى :

إن ذكر الله تعالى لم يكن مجرد ترديد عشوائى لأسماء الله وصفاته دون تدبر معانيها والسعى خلف ما تهدى إليه هذه الأسماء الحسنى لله تعالى ، فرغم أن الله تعالى أمر عباده المؤمنين بكثرة ذكره ، إلا أن ذكر الله لا يكون فقط بترديد صفات الله العظمى وأسمائه الحسنى بلا هدف أو خطة ، حاشا لله ، بل إن الطبيب الذى يهتم بمريضه ويدقق فى فهم مرضه وتشخيصه وعلاجه هو ذاكر حقيقى لله تعالى ، والمهندس الذى يخطط بدقة لبناء البرج أو البيت أو لصناعة السيارة أو الطائرة أو الكمبيوتر هو ذاكر حقيقى لله تعالى ، والمدرس الذى يشرح دروسه بالتفصيل ويحرص على توصيل المعلومات بشكل جيد وسلس وميسر لتلاميذه هو ذاكر حقيقى لله تعالى ، والفلاح الذى يزرع أرضه بشكل صحيح ويتولاها برعايته وعرقه من أجل أن تخرج حباً صحيحاً قوياً يأكل منه عباد الله ومخلوقاته لتستمر الحياة هو ذاكر حقيقى لله تعالى ، والموظف الذى يرفض الرشوة خوفاً من عقاب الله تعالى هو ذاكر حقيقى لله تعالى ، وضابط الشرطة الذى يطبق القانون بالتساوى بين الناس ويرفض إستخراج المعلومات من المتهمين بالقوة أو العنف أو التعذيب حوفاً من الله تعالى هو ذاكر حقيقى لله تعالى ، والقاضى الذى لا يخشى السلطان ويحكم فى قضاياه بروح القانون ولا تؤثر فيه أى إغراءات أو تهديدات هو ذاكر حقيقى لله تعالى ...هكذا ، فلم ولن يكون ذكر الله تعالى هو مسبحة طولها متر أو نصف متر تشهرها فى وجه الناس ، ولا ميكرفون تتراقص فيه باسم الله بشكل مزعج ممرض لا يتحمله السمع الطبيعى معتقداً أنك من الصالحين والعكس هو الحقيقة ، ذكر الله هو أفعال قبل أن يكون أقوال ، ذكر الله هو الصدق فى القول والوفاء بالعهد والحفاظ على كرامة المتعاملين معك ، ذكر الله هو إعطاء كل ذى حق حقه بالقسطاس المستقيم ، ذكر الله هو هجر الزنا والخمر والسرقة وشهادة الزور والقتل ورمى المحصنات الغافلات ، ذكر الله هو عدم إلقاء الزبالة فى طريق الناس أو شرب السجائر بينهم فى المواصلات أو الأماكن الضيقة ، ذكر الله هو عدم إستغلال سلطتك فى إذلال الناس خاصة لو كنت قاضياً أو ضابطاً أو رئسياً أو مديراً ، ذكر الله هو القول الطيب والأسلوب المهذب مع الآخرين ، ذكر الله هو عدم الإعتداء على الآخرين واحترام رأيهم وفكرهم وعدم تحقير دينهم أو معتقدهم ، ذكر الله هو شعورك الدائم بحاجتك لله تعالى وبضعفك أمام خالقك جل شأنه ، ذكر الله هو يدك التى تمتد نحو الفقير والمسكين والمحتاج والمريض ، ذكر الله هو إغاثة الملهوف ونصرة المظلوم والوقوف فى وجه الظالم والمجرم والمعتدى الأثيم ، هذا هو – من وجهة نظرى- ذكر الله وليس ذكر الله هو تلك المسبحات الطويلة أو الذقون المشهورة فى وجوه الخلائق أو النقاب أو الحجاب أو المسواك أو الجلباب فكل هذه عادات يمكن إستبدالها بأخرى تساير العصر وتتفق مع روح الزمان والمكان دون إفراط أو تفريط ، وليس ذكر الله هو تلك الحلقات الراقصة المزرية التى تقول للعالم أن هؤلاء هم المسلمون وهذا هو ذكر ربهم ودينهم رغم أن هذا كله باطل وبهتان عظيم .

إن هؤلاء الذين يتمتعون بذكر حقيقى لله وليس ذكراً وهمياً كاذباً كما اسلفنا ، هؤلاء قد قال الله تعالى عنهم :

( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) الأنفال 2

(الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) الحج 35

أما اصحاب القلوب الصماء التى عليها حجاب يفصلها عن رؤية الحق ومعرفة الحقيقة ، هؤلاء الكذابون الأدعياء الذين ينتمون لدين الله بالإسم والحقيقة أنهم الد أعداء الله ورسله وكتبه وملائكته ، فهم يكرهون كل من يذكرهم بالحق أو ينطق أمامهم بالحقيقة ، ناظرين له بعين تقطر حقداً واحتقاراً ، فهم الملاً المحارب للرسل والمصلحين فى كل زمان ومكان ولكنهم الآن يلبسون رداء الإسلام ويكذبون على الله وعلى عباده ببعض المظاهر الكاذبة ليخدعوا بها ضعاف النفوس ويستميلوا بها مرضى القلوب ، فيصبح لهم أتباع ومريدون يملؤن عين الشمس ، ظانين بذلك أنهم خدعوا الله كما خدعوا الناس ولكن الله خادعهم وهو أعظم مكراً ويستدرجهم من حيث لا يعلمون ، هؤلاء إذا تليت عليهم آيات الله تعالى تزيدهم رجساً إلى رجسهم فسبحان الله كيف للماء الذى يروى ظمأ العطشى أن يحرق أمعاء الآخرين يقول تعالى :

(وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ) التوبة 124- 125

ويقول عزّ من قائل :

(وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ) فصلت 44

لقد جعل الله تعالى ذكر إسمه جل شأنه مفتاحاً لكل أمر ومصدر خير للإنسان المؤمن المطيع لربه ، مصدر خير له فى حياته وفى آخرته ، فانظر معى كيف يعلمنا الله أننا لو أصابنا نسيان أمر ما أن نذكر إسمه تعالى فيقول :

(وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًا ) الكهف 24

وعند ذبح الذبيحة ( سواء ماشية أو طيور ) لا بد من ذكر إسم الله تعالى حتى لو كنت تعيش فى بلاد الغرب وتعلم أنهم يستخدمون المجزر الآلى ولا يذكرون إسم الله تعالى فعليك أن تذكره قبل تناول هذه اللحوم لكى تصبح حلالاً فلو نسيت فلا جناح عليك على ألا تتعمد عدم ذكر إسم الله فذلك كفر شديد نعوذ بالله تعالى منه ، وعن ذكر اسم الله على الذبائح يقول تعالى :

(وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) الأنعام 121

3- هل الصلاة والعبادات نوع من الذكر:

الصلاة هى فريضة الله العظمى التى يتقرب بها الإنسان لربه تعالى فى خشوع وخضوع شديدين لا يعلمهما ولا يقدرهما غير الله تعالى ، ورغم عظمة الصلاة كفريضة يومية خمس مرات على كل مسلم ومسلمة إلا أنها فرع من فروع ذكر الله تعالى يقول المولى سبحانه :

(اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ) العنكبوت 45

وهنا يبين لنا ربنا أن ذكره تعالى أعظم من الصلاة نفسها ..

ويقول تعالى مخاطباً نبيه ورسوله موسى عليه الصلاة والسلام :

(إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ) طه 14

ولأن الصلاة فرع من فروع ذكر الله تعالى يقول المولى :

(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ ) الأعلى 14- 15

ولأن ذكر الله تعالى عظيم ومقدس فإن المؤمن الصالح ( عملاً وقولاً ) لا يكف عن ذكر الله وتذكر آلائه وآياته واليوم الآخر ، كل ذلك يتحرك فى عقله دائماً ليل نهار ، صباحاً ومساءاً ، نائماً أو قاعداً أو واقفاً فيقول المولى سبحانه :

(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) آل عمران 191

ومما لا شك فيه أن فرائض الحج والصوم والزكاة والصدقات كلها ذكر خالص لله تعالى إذا أداها المؤمن مخلصاً من قلبه لله تعالى مبتغياً وجه الواحد الأحد .

ثالثاً هل ينسى الله تعالى ؟

تعالى الله عن السهو أو الغفلة أو النوم أو النسيان ، فهو الحى القيوم الذى لا تأخذه سنة ولانوم ، فكيف يقول تعالى ( أذكركم ) وهل يعنى ذلك أن الله ينسى العصاة والكفرة والظلمة والمردة والمجرمين ؟ وخاصة أن الله تعالى فى آيات أخرى يقول :

(الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ) الأعراف 51

(الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )التوبة 67

فهل يمكن لله أن ينسى ؟ هل يمكن لله أن ينسى مخلوقاً من مخلوقاته وهو الذى أحاط علماً بكل ذرة من ذرات هذا الوجود اللامتناهى ؟

هيا بنا نناقش هذه المسألة :

* أنواع ذكر الله لعباده

1- ذكر علم :

من مسلمات الإيمان بالله تعالى أننا نؤمن أن الله خالق الكون وقد أحاط بكل شىء علماً لدرجة لا يتصوردقتها عقل الإنسان وقد ذكر الله تعالى آيات كثيرة تؤكد على أنه يعلم بكل صغيرة وكبيرة فى هذا الملك العظيم الذى يعجر البشر عن الإحاطة به علماً فيقول تعالى :

(وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) الأنعام 59

كما يقول تعالى :

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) سبأ 3

والآيات كثيرة فى هذا الصدد ، فهل يمكن لله المتعالى ذى العلم اللانهائى أن ينسى عبداً من عبيده ؟

بالطبع لا .. وتعالى الله علواً كبيراً فالحقيقة أن الله تعالى يذكر كل مخلوقاته وكل ما فى الكون الذى خلقه بقدرته يذكره ذكر علم وإحاطة بكل مافيه من حركة وسكون ، ووقوف وقعود ، وقوة وضعف ، وصعود وهبوط ، ودوران ، يعلم ما فى البحار والأنهار والمحيطات ، يعلم ما فى الجبال والصحارى والرمال ، وما فى الحقول والزروع والثمار والأشجار ، ويعلم ما يفعله كل إنس وكل ملاك وكل جان ،

ويعلم بالجسيمات التى تدور حول كل ذرة فى كونه ، ويعلم بما فى الأراضين والسماوات ، علم يقينى قدير محيط بالكبيرة والصغيرة فما حكاية ( إنا نسيناهم ) ، وما معنى ( أذكركم ) وهو سبحانه لا ينسى ولا ينام ولا تأخذه غفلة ولا سنة ؟ هذا ما سنعرفه من البند الآتى وهو ذكر الرحمة

2- ذكر رحمة :

هنا يتضح الفرق الهائل بين ذكر الله لعبد طيب صالح وبين ذكره لعبد فاسق مجرم فاجر ، فالله تعالى يذكر الصنفين وتعالى عن النسيان أو الغفلة ، ولكنه يذكر المجرمين والكفرة والفسقة والظلمة ذكر علم وإحاطة فقط ولا يذكرهم ذكر رحمة ، فلا يؤيدهم حين يستيعينون به ، ولا ينصرهم على أعدائهم ولا ينقذهم من كوارثهم ، ولا يشفيهم من أمراضهم ، ولا يستجيب لدعائهم ، ولا يمسح دموعهم ، أى لا يرحمهم وهو أفظع أنواع العقب الإلهى لعباده الكافرين المجرمين .

سنذكر على سبيل المثال أمثلة لعباد صالحين إستجاب الله لدعائهم وأنجاهم من الغم وأمثلة أخرى لمجرمين وكفرة لم يستجب الله لدعائهم ولم يغثهم ولم يرحمهم برحمته :

* الصنف الأول ( المجرمون والظلمة ) :

عندما أدرك فرعون الغرق ماذا قال ؟ تعالو نقرأ ماذا قال :

(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ) يونس 90-92

ثم انظر ماذا فعل الله بقارون من بعد فرعون ( فخسفنا به وبداره الأرض) ، وماذا فعل الله قبل ذلك بعشرات القرون بعاد قوم هود ، وماذا فعل بثمود قوم صالح ، وماذا فعل الله بمدين قوم شعيب ؟ لقد دمرهم الله فى الدنيا وأعد لهم عذاباً أليماً فى الآخرة ، فحرمهم الله من ذكره أى من رحمته تعالى وصلاته عليهم ورضوانه وغفرانه ، فهؤلاء يذكرهم الله ذكر علم وإحاطة وليس ذكر رحمة .

* الصنف الثانى ( الصالحون الأتقياء ):

نذكر منهم على سبيل المثال نبى الله يونس عندما أبق من قومه بعد أن ضجرهم من كثرة إعراضهم عن الحق ، فركب فى السفينة وتعرضت السفينة للغرق ، فكان ممن وقع عليهم الإختيار ليلقوا بأنفسهم فى عرض البحر إنقاذاً للآخرين ، فالتقمه الحوت وهو مليم ، ولكنه كان من الذاكرين الله كثيراً ومن المسبحين بحمده والمستغفرين فذكره الله تعالى ذكر رحمة وأنجاه من بطن الحوت وأعاد له الحياة ، ثم ارسله فى مائة ألف إنسان أو يزيدون فآمنو معه جميعاً بالله تعالى ، هيا نقرأ قول الله تعالى فيه :

(وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ *فاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَ‌ٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) الأنبياء 87- 88

ويقول عنه المولى تعالى :

(وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ *إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ *فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ *فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ *فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ *لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ *فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ *وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ *فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ )الصافات 139- 148

وهناك أمثلة عديدة لذكر الرحمة التى يذكر الله بها عباده الصالحين ، ومنها قصة خليل الله إبراهيم حين وضعه الكفار فى حريق كبير فأنجاه الله تعالى منهم وأحال النار برداً وسلاماً على إبراهيم ، هذا هو ذكر الرحمة التى يختص الله بها عباده المخلصين ، ومنها الكثير مثل قصة أهل الكهف الصالحين الذين فروا بعقيدتهم الصحيحة هرباً من بطش الملك الكافر فذكرهم الله تعالى ذكر رحمة وهىء لهم كهفاً هربوا إليه و ناموا فيه بمعجزة ربانية أكثر من ثلاثة قرون .

مما سبق نعلم أن الله حين يقول عن نفسه سبحانه ( إنا نسيناهم ) أى أخرجناهم من رحمتنا رغم أن الله يذكرهم بكل تفاصيلهم ذكر علم وإحاطة وتحكم وقدرة ، وحين يقول سبحانه ( فاذكرونى أذكركم ) أى ارحمكم برحمتى فأغفر لكم ذنوبكم وأنقذكم من كوارثكم وأنصركم على أعدائكم وأشفيكم من أمراضكم ، وأخلصكم من ظالميكم .